أبي بكر الكاشاني

197

بدائع الصنائع

يؤكل لحومها برية كانت أو بحرية لان الطيور كلها برية لان توالدها في البر وإنما يدخل بعضها في البحر لطلب الرزق والأصل فيه قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وقوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ظاهر الآيتين يقتضى تحريم صيد البر للمحرم عاما أو مطلقا الا ما خص أو قيد بدليل وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم والمراد منه الابتلاء بالنهي بقوله تعالى في سياق الآية فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم أي اعتدى بالاصطياد بعد تحريمه والمراد منه صيد البر لان صيد البحر مباح بقوله تعالى أحل لكم صيد البحر وكذا لا يحل له الدلالة عليه والإشارة إليه بقوله صلى الله عليه وسلم الدال على الخير كفاعله والدال على الشر كفاعله ولان الدلالة والإشارة سبب إلى القتل وتحريم الشئ تحريم لأسبابه وكذا لا يحل له الإعانة على قتله لان الإعانة فوق الدلالة والإشارة وتحريم الأدنى تحريم الاعلى من طريق الأولى كالتأفيف مع الضرب والشتم وأما غير المأكول فنوعان نوع يكون مؤذيا طبعا مبتدئا بالأذى غالبا ونوع لا يبتدئ بالأذى غالبا اما الذي يبتدئ بالأذى غالبا فللمحرم أن يقتله ولا شئ عليه وذلك نحو الأسد والذئب والنمر والفهد لان دفع الأذى من غير سبب موجب للأذى واجب فضلا عن الإباحة ولهذا أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل الخمس الفواسق للمحرم في الحل والحرم بقوله صلى الله عليه وسلم خمس من الفواسق يقتلهن المحرم في الحل والحرم الحية والعقرب والفأرة والكلب العقور والغراب وروى والحدأة وروى عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خمس يقتلهن المحل والمحرم في الحل والحرم الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحل والحرم الحدأة والفأرة والغراب والعقرب والكلب العقور وعلة الإباحة فيها هي الابتداء بالأذى والعدو على الناس غالبا فان من عادة الحدأة ان تغير على اللحم والكرش والعقرب تقصد من تلدغه وتتبع حسه وكذا الحية والغراب يقع على دبر البعير وصاحبه قريب منه والفأرة تسرق أموال الناس والكلب العقور من شأنه العدو على الناس وعقرهم ابتداء من حيث الغالب ولا يكاد يهرب من بني آدم وهذا المعنى موجود في الأسد والذئب والفهد والنمر فكان ورود النص في تلك الأشياء ورودا في هذه دلالة قال أبو يوسف الغراب المذكور في الحديث هو الغراب الذي يأكل الجيف أو يخلط مع الجيف إذ هذا النوع هو الذي يبتدئ بالأذى والعقعق ليس في معناه لأنه لا يأكل الجيف ولا يبتدئ بالأذى وأما الذي لا يبتدئ بالأذى غالبا كالضبع والثعلب وغيرهما فله أن يقتله ان عدى عليه ولا شئ عليه إذا قتله وهذا قول أصحابنا الثلاثة وقال زفر يلزمه الجزاء وجه قوله إن المحرم للقتل قائم وهو الاحرام فلو سقطت الحرمة إنما تسقط بفعله وفعل العجماء جبار فبقي محرم القتل كما كان كالجمل الصؤل إذا قتله انسان انه يضمن لما قلنا كذا هذا ولنا انه لما عدا عليه وابتدأه بالأذى التحق بالمؤذيات طبعا فسقطت عصمته وقد روى عن عمر رضي الله عنه انه ابتدأ قتل ضبع فادى جزاءها وقال إنا ابتدأناها فتعليله بابتدائه قتله إشارة إلى أنها لو ابتدأت لا يلزمه الجزاء وقوله الاحرام قائم مسلم لكن أثره في أن لا يتعرض للصيد لا في وجوب تحمل الأذى بل يجب عليه دفع الأذى لأنه من صيانة نفسه عن الهلاك وانه واجب فسقطت عصمته في حال الأذى فلم يجب الجزاء بخلاف الجمل الصائل لان عصمته ثبتت حقا لمالكه ولم يوجد منه ما يسقط العصمة فيضمن القاتل وان لم يعد عليه لا يباح له أن يبتدئه بالقتل وان قتله ابتداء فعليه الجزاء عندنا وعند الشافعي يباح له قتله ابتداء ولا جزاء عليه إذا قتله وجه قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للمحرم قتل خمس من الدواب وهي لا يؤكل لحمها والضبع والثعلب ما لا يؤكل لحمه فكان ورود النص هناك ورودا ههنا ولنا قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم وقوله وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وقوله يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم عاما أو مطلقا من غير فصل بين المأكول وغيره واسم الصيد يقع على المأكول وغير المأكول لوجود حد الصيد فيهما جميعا والدليل عليه قول الشاعر